هذه هى فلسطين

قطر والقضية الفلسطينية

تدافعت في ذاكرتي مع حلول الذكرى الثامنة والستين على النكبة الفلسطينية في عام 1948، أحداث وصور لما تعرض له الشعب الفلسطيني منذ الخامس عشر من مايو/ أيار من ذلك العام وما يزال، من معاناة وآلام وقهر وتشريد وتقتيل، بعضها سمعته من الجيل الذي عاش مرحلة الكفاح والصمود والصبر، والبعض منها عايشته وشاهدته بنفسي.

ذكرى ما بات يعرف بنكبة فلسطين، هي ذكرى هزيمة أربعة من الجيوش العربية في فلسطين، وتمكّن العصابات المسلحة اليهودية الصهيونية من احتلال لما يقارب 80% من أرض فلسطين التاريخية، وإعلان إقامة ما بات يعرف "دولة إسرائيل"، لتستكمل إسرائيل احتلال ما تبقى من الوطن الفلسطيني في عدوانها عام 1967.

هذه الذكرى الأليمة تغمر النفس بالأسى والحزن ، وتعصر الدمع في العين، لما تعرض له هذا الشعب الصابر والمناضل من مآس وويلات من الاحتلال،... استبداد قاتل للروح، وامتهان لكرامة الإنسان، وكذلك لما تعرّض له من متاجرة البعض من الحكام العرب بقضيته طوال عقود مضت، وهم قد جاؤوا إلى السلطة على ظهر الدبابات بغطاء مخادع وهو تحرير فلسطين!

الاّ أن هذه الحالة السوداء التي غرق فيها الشعب الفلسطيني منذ وقوع النكبة لم تعد لتستمر، وتقاطعت مع يقظة الفلسطينيين والعرب على ما حدث في فلسطين، فانطلقت الصحوة العربية في عام 1952 بثورة الضباط الأحرار المصريين، لتقفز قضية هذا الشعب الى أولويات الاهتمامات العربية، وبالتالي إعادة الأمل بالعودة إلى قاعدة "ما أخذ بالقوة لا يسترد الاّ بالقوة"و "وكل شيء من أجل معركة التحرير"، لتنهي هذه المرحلة بمأساة جديدة ضاع فيها ما تبقى من أرض فلسطين، الى جانب أراض عربية من دول الجوار، مصر، سوريا، والأردن.

لم تحرر هذه الأنظمة شبراً واحداً من فلسطين، بل على العكس احتلت "إسرائيل" أراضي جديدة في عدوان يونيو/حزيران عام 1967 (الجولان، الضفة الغربية، قطاع غزة، سيناء)، وفي عام 1982 اجتاحت لبنان، ولتتعاقب الاجتياحات الاسرائيلية لهذا البلد.

وللإنصاف التاريخي يصح القول إن القضية الفلسطينية ما تزال تحظى باهتمام عربي كبير، وبقيت القضية المركزية للأمة العربية رغم انشغالاتها في القضايا الأخرى.

الفاتورة النهائية لإنجازات هذه الأنظمة، هي الشعارات الغوغائية والمزايدات السياسية والتناحر، وخطابات في الهواء متخمة بالخداع والتضليل والمناورات،.. وفشل خطط التنمية في الداخل، استبداد قاتل لروح الشعوب ومبادراتها، امتهان كرامة الإنسان، تعميم الفساد والإفساد، فيما واصلت "إسرائيل" تضخيم قوتها العسكرية أضعافاً مضاعفة، ومن لا يرى هذه الحصيلة الواقعية فهو أعمى القلب والعينين معا.

لم يغب الأمل بالعودة الى الوطن الفلسطيني ولا انتهى، فتسارعت الأحداث وتراكمت، وأتخمت الذاكرة العربية بويلات الحروب وآلامها مجدداً، لينطلق فجر جديد عنوانه الأبرز "الفدائيون" من الفلسطينيين وإخوانهم من الشبان العرب، منهم من ناضل بالكلمة، ومن جاد بنفسه أو ماله، للعمل والمشاركة من أجل التحرير والعودة، وبانتقال القضية الفلسطينية مجدداً الى منابر الأمم المتحدة والساحة العالمية، ولتصبح فلسطين دولة باعتراف نحو 120 دولة من دول العالم، وعضواً في منظمة الأمم المتحدة واستتباعاً مؤسساتها المتعددة.

هذا الأمل لدى الأمة العربية بدأ يكبر،... وطبعاً كان وراءه اهتمام وجهود جبارة وتعب ومثابرة، لم تكن دولة قطر بعيدة عنها على كل الأصعدة، فكانت يدها تمدّ المساعدة والدعم للشعب الفلسطيني على أرض وطنه لتثبيت حالة الصمود والصبر، وصوتها يرتفع عالياً ليسمع على الساحة الدولية، مطالباً بحل عادل وشامل ودائم لقضية هذا الشعب العربي الفلسطيني.

قطر والقضية الفلسطينية

لم تكن قطر (الدولة والشعب) بعيدة عما يجري في الساحة العربية، وكانت الدوحة مؤيدة للثورة الفلسطينية، وحاضنة لبعض قيادات حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" منذ عام 1964، كما لم تكن بعيدة عن تداعيات العدوان الصهيوني على الأمّة في عام 1967، وهل ما نزال نتذكّر صرخة أمير قطر وقوله: "حسبنا الله ونعم الوكيل"، وكيف ولماذا قيلت؟

إقرارا لحقائق التاريخ، ليس إلاّ، فقد قدّمت دولة قطر قيادة وشعباً من مساعدات الخير الى الشعب الفلسطيني والمساندة السياسية في المحافل الدولية، ما سيبقى محفوراً بحروف من نور في الذاكرة العربية وبخاصة الفلسطينية، في الوقت الذي قلبت غالبية الأنظمة العربية الرسمية ظهر المجن لهذا الشعب في أحلك الظروف وأخطرها، ولم تكن زيارة سمو الأميرالوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني لقطاع غزة في تشرين أول/اكتوبر عام 2012، وهي الزيارة الثانية لسموه منذ عام 1999، واستقبله حينها الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، وكانت أول زيارة من نوعها لزعيم عربي بهذا المستوى منذ 1967، إلاّ سلسلة من صور المواقف المشرّفة للعروبة الأصيلة لقادة هذا البلد وما تزال، كاسرا الحصار الظالم المحيط بالفلسطينيين هناك.

سجل التاريخ لسمو الأميرالوالد الشيخ حمد زيارته لغزة كأول قائد عربي يزور جزءا من فلسطين، منذ احتلالها في عام 1948، وقد أفاق قطاع غزة للتو من ويلات العدوان الصهيوني الغاشم، الذي دمّر فيها البشر والحجر، وهدمت المساجد والمدارس والمستشفيات، إضافة إلى المنازل والمنشآت الحكومية المدنية والعسكرية والبنى التحتية، بعد حصار وإغلاق شامل منذ عام 2007، ورغم اقتصار الزيارة على عدة ساعات فقط، فقد كان لها ما بعدها، فهي زيارة تمت عبر معبر رفح، دون المرور عبر سلطات الاحتلال، كما أنها كسرت الحصار السياسي، فأمير قطر فتح الأبواب لمن سيأتي من بعده، ولكن مع الأسف لم يمتلك أي حاكم عربي نفس الشجاعة والإرادة السياسية المستقلة.

كان موقف دولة قطر وأميرها — منذ البداية — دعم أبناء الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، في وجه العدوان الصهيوني الذي دعت قطر إلى قمة عربية يومها قاطعتها الأنظمة العربية، وقاطعتها السلطة الفلسطينية أيضاً بدعوى عدم التشاور والتنسيق معها.

ذلك زمن تميّز بالانقسامات العربية، فأطلق فيه سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني الدعوة مراراً وتكراراً إلى قمة استثنائية في الدوحة وحدد موعدها، لبحث مخاطر العدوان الصهيوني على الفلسطينيين في قطاع غزة وكيفية مواجهته جماعياً، وعرض للوضع بقوله: "منذ أن جددت قطر الدعوة للقمة الطارئة فوجئنا بأنه ما أن يكتمل النصاب حتى ينقص، وحسبنا الله ونعم الوكيل"، ... ولم تخذل قطر الشعب الفلسطيني، ووقفت إلى جانبه عندما تنكر له "إخوة يوسف" الذين أطعموا لحم الفلسطينيين لذئاب بني صهيون.

التزمت قطر بإعادة الإعمار، وناصرت الجهود الفلسطينية لكسر الحصار، وزودت القطاع بالوقود لحل أزمة الكهرباء، واستقبلت قيادات فلسطينية غادرت دمشق رفضاً لإجرام النظام السوري هناك، ورعت اتفاق المصالحة الفلسطينية، وقدّمت أموالاً سخية لتمويل العديد من المشاريع الحيوية والاستراتيجية في قطاع غزة والتي من أهمها إعادة تأهيل شارع صلاح الدين الممتد من شمال إلى جنوب القطاع، وشارع الرشيد (البحر)، وشارع الكرامة، ومدينة الشيخ حمد السكنية، ومستشفى الشيخ حمد بن خليفة للأطراف الصناعية.

 

المشاريع والبرامج الإغاثية القطرية في قطاع غزة كثيرة، على رأسها، تلبية حاجات المشردين الذين يقيمون في مدارس وكالة الأونروا وخارجها، وتأهيل خطوط ومحولات شبكة كهرباء غزة التي دمرها القصف الإسرائيلي، وتوفير 10 آلاف منزل لإيواء الأسر النازحة التي دمرت بيوتها كليا وتمويل احتياجات البلديات من معدات ثقيلة لإزالة الركام من الأحياء، وتوفير صهاريج مياه لحل مشكلة الشرب في مناطق القطاع، ودعم وتمويل احتياجات المستشفيات بالمولدات الكهربائية والوقود والأدوية وصيانة الأجهزة الطبية.

دعم قطر لقطاع غزة ليس بجديد، فلقد تبرعت بآلاف الأطنان من مادة السولار لتشغيل محطة الكهرباء وذلك للمساهمة في حل مشكلة الكهرباء المزمنة التي يعاني منها قطاع غزة، ويأتي تنفيذ المنحة القطرية بعد انتظار دام ما يزيد على ثلاث سنوات على إعلان أمير قطر عن إنشاء صندوق لإعادة إعمار غزة وتبرع له بمبلغ ربع مليار دولار خلال القمة الاقتصادية العربية التي عقدت في الكويت في يناير/كانون ثان عام 2009، أي بعد العدوان الصهيوني على القطاع مباشرة، وتبرعت في نفس القمة الكويت بنصف مليار دولار والسعودية بمليار دولار لإعادة إعمار غزة.

كما أكدت قطر على منحتها الخاصة بإعادة إعمار قطاع غزة في مؤتمر شرم الشيخ، الذي عقد تحت شعار (إعادة إعمار قطاع غزة) في شهر مارس/آذار عام 2009، وبلغ مجمل التبرعات المالية التي تعهدت بها الدول المشاركة في المؤتمر أربعة مليارات و481 مليون دولار، ولكن لم يصل منها سوى المنحة القطرية التي تضاعفت أثناء زيارة أمير قطر حينها لتصل إلى 400 مليون دولار.

إن قطر بأميرها السابق سمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، كانت يد الخير التي لم تبخل أو تتردد بعطاء، ثم جاء أميرها الابن سمو الشيخ تميم، وكان كالريح المرسلة في دعمه للفلسطينيين، جواداً كريماً على خطى والده ونهجه القويم، وفي مشاعره الإنسانية، ومواقفه القومية، ومآثره المتميزة تجاه الشعب الفلسطيني المكلوم.

ينما يكون الأمل.. تكون قطر

نجحت قطر وما تزال في إبداعات العطاء وتواصله، والتفوق على نفسها من خلال المواقف المتميزة وأعمال الخير، وتمكنت أيضا من تصدّر المشهد الإقليمي في تجلياته السياسية الداعمة لقضايا أمتها العربية وتطلعات الشعوب نحو الحرية والتحرر من سطوة أنظمتها الديكتاتورية.

فدولة قطر ومنذ استقلالها في أيلول /سبتمبر 1971، كانت من أولى الدول العربية التي تمَّ فيها افتتاح مكتب لمنظمة التحرير، والذي تحول إلى سفارة بعد إعلان قيام دولة فلسطين في مؤتمر الجزائر عام 1988. وعندما أنشئت السلطة الفلسطينية في عام 1994، قام سمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني بزيارة للأراضي الفلسطينية في عام 1999، والتقى في غزة بالرئيس الراحل ياسر عرفات، وقدّم للسلطة دعماً مالياً ومعنوياً لا يمكن اغفاله.

قد يكون الشعب الفلسطيني من أكثر الجهات التي أمدتها دولة قطر بالمساعدات المالية والدعم السياسي، حيث لم ينقطع وصول قوافل الخير القطرية الحكومية والشعبية بإمداداتها ومعوناتها الإغاثية لأهالي قطاع غزة الأكثر تعرضاً للبطش والإرهاب الصهيوني، وذلك عبر العديد من الجمعيات والمؤسسات الإنسانية الدولية، وذلك إبان العدوان الإسرائيلي على القطاع في كانون أوّل/ديسمبر 2008، وأيضاً في العدوان الأخير المدمر في يوليو/أغسطس 2014.

كما قدّمت دولة قطر ملايين الدولارات لكل من السلطة الفلسطينية، وهي ما تزال حتى اللحظة لا تبخل، في عطاءات فاقت بسخائها كل ما قدمه الآخرون من دول المنطقة، ولعل مشاريع البنى التحتية الضخمة التي ترعاها قطر في قطاع غزة، هي خير شاهد على كرم وإخلاص هذا البلد وقيادته الوفيّة في التزاماتها تجاه القضية الفلسطينية.

لم يقف دعم قطر للأشقاء الفلسطينيين على مسار واحد، وأكثر من أن يحصى، فقد دعت دولة قطر مجدداً مجلس الأمن الدولي لتحمل مسؤولياته، والتحـرك لاتخاذ الخطوات اللازمة لحل الصراع العربي الإسرائيلي وتحقيـق السلام في المنطقة على أساس حل الدولتين، واعتماد قرار لإنهاء احتلال "إسرائيل" للأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة عام 1967، ضمن جدول زمني محدد، مع تحديد آليات تُلزم سلطات الاحتلال بتنفيذ التزاماتها.

وفي المحافل الدولية لم تغب قطر عن حمل همِّ القضية الفلسطينية، سياسياً وإنسانياً ومادياً ومعنوياً، وقد تابعنا ذلك في مسيرة سياستها الخارجية، حيث كانت دائماً خير من يدافع عن حقوق الفلسطينيين، وتكفينا هنا الإشارة فقط إلى موقف سمو الشيخ تميم في اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة، التي انعقدت في نيويورك في أيلول/ سبتمبر 2014، حيث وجه سموه في كلمته انتقادات واسعة ل"إسرائيل"، متهماً جيشها بارتكاب جرائم حرب وجرائم بحق الإنسانية، كما أشاد بالمقاومة، ودعا لإصدار قرار تحت الفصل السابع لإلزام "إسرائيل" بإنهاء احتلال عام 67.

المسيرة القطرية باتجاه داعم للحق الفلسطيني مازالت متواصلة، ولم تتوقف، ولم تنقطع... هناك ثبات في السياسة القطرية تجاه القضية الفلسطينية،... هذه هي القراءة التاريخية لسياسة قطر تجاه فلسطين، ولم ولن تتغير